جسد واحد

نظرت الى الطبيب و لجام الصمت يعربد على شفتيها .. نظرت له لعله يفسر سر هذه النظرات الصامته .. و لكنه ارتدى لجام حديدى على لسانه هو ايضا .. و ساد الصمت المكان ..------------------------------------------ماهى نتيجة التحليل يا دكتورة ..؟ نظرت له فى شفقة و قالت .للأسف يا أستاذ جمال النتيجة لا تبشر بالخير .. فنتيجة التحليل تقول أن جميع الحيوانات المنوية ميته .. و لا مجال حتى لعملية تخصيب صناعى . هل هذا يعنى انى سأكمل بقية عمرى عاقراً .. إنها حكمة الله عز و جل .. و لله حكم .------------------------------------------بيد مرتجفة سلمها نتبجة الفحص و أتبع هذا بقوله .أنا أسف يا مدام منى .. فأحيانا يعجز العلم فى أمر ما .. و يبقى الأمل فى الله عز و جل ... و لله حكم . تحاول هى أن تمنع تلك الدمعة النارية الهاربة من مقلتيها .. و تجمع بقايا الحروف المبعثرة هنا و هناك .. و تقول .شكرا يا دكتور .-----------------------------------------تخرج الى الطريق و هى ترى كل ما حولها ملون باللون القاتم .. تسمع أصوات أطفال وهمية تعبث من حولها .. تصرخ بصوت مكبوت .. أمطار تنهمر من مقلتيها .. صرير احدى السيارات بجانبها و السائق يلعنها بسباب قذر .. تكتفى بالنظر له فى إستسلام و هى تتمنى ان يكمل بسيارته على جسدها .. فتتلاشى و يتلاشى الحزن بداخلها . و عندما يجد السائق هذه الدموع الساخنة فى عيونها يقول بصوت مبحوح .. أسف .أما هى فتكمل الطريق و هناك ما يدور فى عقلها .. ماذا ستقول له .. وهو الذى يتمنى ان تلمس أنامله شعيرات رأس الرضيع ولو لمرة فى عمره . هل سأقول له أبحث عن غيرى ..؟ هل سأتركه يذهب لأحضان غيرى .. و ما هو ذنبى .. أنا احبه أكثر من روحى .. و لكن ماذا لو كان هو الذى لا ينجب .. هل كنت سأستمر معه ..؟ ---------------------------------------بالطبع لا .. كنت سأطلب منها فوراً أن تنفصل عنى .. و أبحث من جديد عن من تهبنى الذرية .. كنت سأبحث عن من تهب لى الحياة .. كنت ســــ... آه و آه من كنت .. الأن أنا الذى لا ينجب .. الأن أنا أنسان عديم الصلة بالحياة .. على الأقل من بعدى ..يجب ان أنفصل عنها .. يجب ان تبحث هى عن شخص غيرى .. عن انسان يهبها الحياة .. و الحنان .. و الأحساس بالأمومة ..التى خلقت بداخلها . يجب ..--------------------------------------و لكن كيف سأجعله يتركنى .. لو أخبرته انى عاقر فسيرفض ان يتركنى من باب الشفقة .. أنا اعرف جيدا انه يحبنى .. و لكن ليس للحب دخل هنا .. لماذا يا رب .. لماذا .؟ استغفرى ربك يا بنت ِ حرام كده .. تنظر الى مصدر الصوت فتجد شحاذ يمد يده لها .. فتضع له ما تيسر من مال فى قبضته .. فيقول لها .. ربنا يبارك لك فى اولادك و تفرحى بيهم .تقول له و الدموع تنهشها ..دعوة مقبولة إن شاء الله .. إن شاء الله .-------------------------------دمعة تنزل على خده حامية .. ساخنة لدرجة جعلته يسرع فى سترها بيده .. يسمع صوت من خلفه يقهقه .. يلتفت فيجد طفلة فى الخامسة من العمر تقول .. هو أنت مش كبير ..؟ يبتسم و ينحنى لها حتى يصبح فى نفس طولها تقريبا و يقول .لماذا .؟ أصل أنت بتعيط ... و ماما بتقول مافيش راجل بيعيط .دون أن يشعر يضمها الى صدره .. و يبكى أكثر و أكثر .. تنادى امها عليها .. ريهام تعالى حالا .. عمو سيبنى ماما بتنده لى .. بقسوة تجذب أم الفتاة يده و تقول .. أترك البنت .. و لكن عندما ظهرت الدموع فى عينيه قالت فى صوت خافت .. ربنا يصبرك .. و جذبت الفتاة و رحلت .----------------------------دست مفتاح المنزل فى الباب .. و دخلت الى المنزل دون أن تهتم بالظلام المحيط بالمكان من كل جانب .. هرولت الى غرفتها و جلست فى احدى الأركان .. أمسكت بورقة و خطت أسباب كاذبة تبرر رحيلها من المنزل .. فى ذلك الوقت كان جمال واقفاً فى ردهة المنزل تخط يداه هو أيضا ورقة تبرر أسباب رحيلة و عزمه على الإنفصال .. يدفع باب الغرفة ليضع الورقة على السرير .. يراها .. يدير عينه عنها .. تستجمع هى ما تبقى من قوة فى جسدها النحيل و تقول .. هذه الرسالة لك .. و هذه الرسالة لك انت ايضا .. يمسك كل منهم برسالة الأخر . . و يخرج صوتهما فى نفس اللحظة .. لماذا ..؟ ثم يضحك كل منهم .. و تقول هى .. سيبقى كل منا يفعل ما يفعله الأخر فى نفس الوقت .. كما لو كنا شخص واحد.دون أن يجيبها .. يضمها برفق الى صدره .. تبكى . فيقول هو .لا تبكى يا حبيبتى .. يا أمى و أهلى و أغلى ما لدى .تغوص هى بين ضلوعه أكثر .. فتشعر كما لو كانت تغوص فى صدر والدها الحنون الدافئ ...