الخميس، 21 يونيو 2007

التمثال الأخير ...


أنظر الى الصورة المعلقة فوق جسدها النحيف الذى يختفى تحت غطاء سميك من الصوف الخشن ..أفكر فيها كالمعتاد أكثر من اى شئ أخر , أغوص فى بحر من الذكريات التى تحملها تلك الصورة الفوتوغرافية السوداء التى يمتزج فيها اللون الأبيض فى حياء ليرسم ملامح سكان البرواز الخشبى الرخيص المتباعد الزوايا ,كانت بغطاء الرأس الأبيض و الرداء الأسود أشبه بقديسة فى عصر مضى , تحتضن بين يديها يد أبى الغليظة ذى النظرات القاسية والطربوش المنفوخ كصدره .. و فى شكل هرمى تجمعنا تحت أقدام كل منهما و كنا بالترتيب العمرى لنا حازم و حنان و منى و إيهاب و أنا ., كانت حنان تحاول أن تخفى بقايا الحلوى التى فى فمها بإبتسامة عريضة و منى تنظر للأعلى وهى تبحث عن شئ فى الفراغ .. أما ايهاب فقد كان ينظر لحازم بحقد لم تمحه السنون رغم قدم اللوحة من صفحتها .. ربما كان سبب هذا الحقد نيل حازم لمحبة والدى واحترام أمى المتزايد, أما أنا فى المنتصف فقد كنت أنظر لكل هؤلاء دفعة واحدة . هذه هى اللوحة.الآن أجلس على كرسى متهالك الجوانب وقد رقد جسد أمى على فراش نحاسى ينتظر الموت اللحظة المناسبة ليقتحمه ويسلب من الجسد الخاوى روحا قد تكون هى كل ما تبقى منه ..! كنت رغم برودة الجو من حولى أجلس على مؤخرتى وابدأ فى عد أنفاس والدتى .. الزفير يتلوه الشهيق . كنت أعرف أن نهايتها قد دنت منها بشكل ملحوظ .. لم تعد قادرة حتى على التوجع .. أغلب نبرات صوتها تخرج للداخل .. عيونها فقدت الكثير من بريقها وفقدت حتى القدرة على الدوران للبحث عن شئ ما .. و ما فائدة بريق لامع فى عيون فاقدة للبصر من الأساس .. أما جسدها الذى أخذ فى الضمور بشكل طردى مع مرور الزمن فقد كان يستجيب أحيانا لها وأحيانا يرفض حتى الحراك الحفيف, و لأن أبى قاس فى كل شئ .. فقد تجسدت قسوته فى رحيله المبكر وأنا أبلغ من العُمر السنوات السبع .. ولأن حازما كان يشبه أبى .. أو انه كان هو فى تجسيد للروح ليس إلا .. فقد رحل عنا هو أيضا فى حرب التحرير كما يسمونها ..وعندما رحل قلت لأمى إنى سأحارب وأكمل ما بدأه أخى .. فضحكت لأن عمرى حينها لم يتجاوز الثانية عشر بعد .. أما أخى ايهاب فقد قال لى .هى المشرحة ناقصة . !دمعة تترقق فى عيونى وأنا أحمل جثمان حنان التى فضلت الإنتحار بعد ضياع حبها العذرى واعتقال حبيبها بتهمة الاشتراك فى محاولة اغتيال ناجحة ومحاولة فاشلة لقلب نظام الحكم .. أتذكر أيضا صوتها وهى تُرتَل القرآن فى ظلام الليل الحالك .. و أتذكر جمال عيونها التى تظهر من تحت خمارها كأجمل ما تكون . و لكنها رحلت. و كان الرحيل اختيارها ! منى تزوجت من شاب تقدم لخطبتها فيما مضى .. ولكنها رفضت و قالت باستهزاء .. جربوع .. أنا أتجوز جربوع, و اليوم هى تعيش عيشة رغدة فى إحدى دول الخليج العربى .اما أنا فبقيت بجوار أمى أراها تضعف يوما بعد يوم .. فى البداية كنت أساعدها فى أعمال المنزل أو أحضر لها طلباتها من السوق .. و كان أخى ايهاب يقول لى . أنت ابن أمك, بالطبع أنا أبنها .. ايهاب تقدم بطلب هجرة لدولة الأحلام .. و لم تمض سنة واحدة وقد عاد و فى يده زوجة شقراء تتحدث لغة لا نفهمها ..بل وتفعل أشياء لا نفعلها .. قلت له مراراً إن سيرته هو وزوجته على كل لسان فى البلد بسبب وقوفها المتكرر أكثر من مرة بدون ملابس فى شرفة الدور العلوى .. وكان رده مقتضبا.أنا قلتلها ما تعملش كده تانى , و لكنها كانت تفعل ما تفعل بشكل نمطى .. وعندما ضاق به الحال قال لأمى ..إخلعى دهبك .. ده نصيبى فى البيت و نصيبى فى معاش ابويا اللى بتلهفيه كل شهر ..و نصيبى فى دهبك انت كمان .كنت أحاول أن أخفف عنها و هى تبكى و تشكو لى كيف كان يجثم عليها و يجردها من مصوغاتها بل ومن بعض الحلى الزائف أيضاً . وبعدما حصل على ما يريد سافر الى بلد الأحلام هو و تلك الشقراء , كنت أجلس أمام سريرها بالساعات .. ألهو بقطعة طين تتلوى فى يدى فتخرج عبارة عن تمثال لشخص مفقود .. وعندما أنتهى من نحت تمثال ما أهرول به إلى أمى التى تكتفى بتحسسه لكى تعرف من هو الشخص المفقود .. وفى مرة قالت لى . أنت بتحب سلوى بنت شوقى الحلاق ..؟ نظرة إستغراب احتلت وجهى .. و قلت فى خجل . ايوه .. عرفتى إزاى .. قالت لى .. التمثال المرة دى يشبهها. وأكملت . أخطبها لك .؟ لا يا أمى دى لسه بنت صغيرة و أنا أكبر منها ب 15 سنة . فبكت و بكيت أنا على عمرى الذى مضى أنا أصنع التماثيل بجوار سرير أمى .. بعد شهر سيكون عمرى أربعين سنة . وسيزداد وزنى كالعادة عدة كيلو جرامات ! صنعت تمثال لحنان .. و تمثال لحازم .. ولكن أمى لم أفكر فى صنع واحد لها .. يكفى ما هى فيه ! و مر العام . ومر عام بعده .. والموت يرفض أن يسرق من الجسد الروح . كنت أنظر لها ليل نهار .. وأتمنى لها الموت والرحمة . و لكن ماذا سأفعل بعدها ؟ على أحسن الظروف سأموت بمرض يسمى الوحدة .. أو سأتحول الى تمثال أخر ضمن تماثيلى, آهة تتسلل إلى مسامعى .. ومن ثم زفير طويل .. نظرت لها . حان دور الشهيق .. تنفسى أرجوك . و لكن صوت رنين الروح وهى ترتطم بسقف الجسد تسلل إلى مسامعى فجعل خصلات شعرى البيضاء تتسمر من الرعب .. صرخات أطلقها قوية مناديا باسمها .. كانت كل صرخة تسبب شرخا فى أحد التماثيل . و فى النهاية صمت .. و تمثال يشبهنى يسقط بجوار جثمانها على حافة السرير . أو أنى كنت أنا التمثال .. حقاً لا أعرف.