
سماء القاهرة الصافية .. و ليلها المرصع بالنجوم .. و شوارعها التى تبدو خالية من المارة فى تلك الساعة المتأخرة من الليل .. كل هذا يرسم لك لوحة تتوسطها فتاة فى العقد الثانى من العمر ينبعث منها عطر يسرق القلوب و يسطو على العقول فى تبجح .. أخيرا وجدتها .. كانت تقف على قارعة الطريق و هى ترتدى رداء أحمر اللون يظهر تحت ضوء عامود الإنارة باللون النارى للحمم المنطلقة من جوف بركان خامل منذ قرون . بخطوات ثابته توجهت لها .. و قبل أن تنطلق من شفتى كلمة واحدة قالت هى .. أولع بعد إذنك ..؟ آه طبعاً ممكن . , و بحركة مرتبكة أخرجت القداحة من جيبى ثم حاولت مراراً أن أشعلها مرة تلو الأخرة الى أن أصابها الملل و قالت فى غٍٍل ... خلاص معايا كبريت , ثم قالت عبارة غير مفهومة بالمرة .. فى الغالب كانت تسب و تلعن . إقتربت أكثر منها و قلت بصوت مبحوح .. إحم .. بكام ..؟ الليلة بتلاته جنيه ..ليه إن شاء الله .. ملكة جمال مصر و السودان ..؟ عايز تدفع كام ؟ أقترب أكثر منها و أقول . جنيه واحد بس . كفاية عليكى .. , وجدتها تستدير فى سرعة غريبة و تسير بخطى واسعة و هى تقول بصوت عالى .. روح شوفلك معزة .. وله روح حارب أحسن لك .! حقيقة كنت أنتظر رد أقبح من هذا .. و فى الحقيقة أيضا لقد كانت تستحق مليون جنيه . فقد كانت بارعة الحسن و الجمال بشكل ملحوظ .. و لكنى لا أمتلك غيره .. جنيه واحد فحسب ! بخفة يدى المعهودة دفعت الباب برفق و دلفت إلى الداخل على أطراف أصابعى .. و لكن هيهات فالرادار يعمل ليلا فقط .. حسين أنت مش ملاحظ أن الفجر طلع .. ؟ ما أنا كنت بصلى الفجر يا حجة .. ثم أهرول لها و أجلس على ركبتى لكى أكون فى نفس مستوى الكرسى المتحرك الذى تجلس عليه و أمسك يدها و أقبلها و أكمل .. كنت بصلى فى الحسين يا ماما ..مدد يا سيدنا يا بن الطاهرة مدد .. مش كنت تاخدى أزوره يا مضروب على قلبك , ما أنت عارفة يا ماما البلد بره عاملة إيه عشان الحرب , تنهيده قصيرة أطلقتها أمى من صدرها قبل أن تكمل .. آه الله يولع فيهم بجاز اليهود الكفرة الأنجاس دول. بس هانت كلها كام يوم و نرميهم فى البحر زى الكلاب , قولى يا رب . مالك يا واد بتقولها من غير نفس كده .. مش عارف يا أمى .. بلد بتحارب أحنا مالنا ما كفاية بقى حروب .. أخرس يا كلب .. أنت نسيت دم أبوك و خالك اللى راح فى 56 و له ناسى أن البلد دى مسلمة و ان دول يهود و كفرة كمان .. على رأيك . .. أنا داخل أنام .. تنام و البلد داخلة على حرب ؟ يعنى أعمل ايه يا أمى .. قوم شوف ايه اللى بيحصل فى البلد .. بيقولوا مصر عملت صاروخ لو ضربناه من القاهرة يدمر تل أبيب .. آه سمعت عن الموضوع ده .. صاروخ مداه 600 كيلو متر . يا فرحتك يا أمى .. و هرولت الى غرفتى .. و غاص جسدى على السرير الوثير .. و لم أشعر بشئ . 30 درجة شرقاً .. الرأس المتفجر للأعلى . إستعد .. أطلق ... لااااااااااااااااااااااااااااااا .. يا ساتر يا رب مالك يا ابنى .. لااااااا .. لااااااااا حسين فوق مالك .. فى ايه ..؟ الصاروخ أضرب , ضحكة أطلقها سمير أخى ثم أعقبها بكلامه .. هو أنت كمان بتحلم بالصاروخ .. صدقنى مصر كلها بتحلم بيه .. بص الأهرام كاتبين ايه تانى .. و يمسك بالجريدة و يشير الى خبر باللون الأحمر فى الصفحة الأولى .. ( مصر تطور الصاروخ الروسى scud 7B ليصل مداه إلى 700كم ) الصاروخ أضرب من تل ابيب يا سمير , و لو بردو .. هنكسب الحرب .. سامع الصوت ده .. و هرول الى النافذة و فتحها و هو ينادينى و يقول, خد شوف بسرعة الناس بتقول إيه فى الشارع ..ثم بدأ يردد من شرفة المنزل نفس الهتاف الرنان . وراك وراك يا زعيم .. هندخل تل ابيب معاك معاك يا جمال .. هندمر دولة الطغيان لا أعرف سبب شعورى بنشوة النصر .. حتى قبل بداية الحرب .. حقاً لما لا و نحن نمتلك الصاروخ , المشير عامر فى الخطوط الأمامية للجبهة . أجلس بالقرب من المذياع الذى شدنى بتلك العبارة بينما يأتى الصوت خشن ليكمل .. و إجتماع طارئ لقادة الجبهة العربية المتحدة .. ثم يأتى الصوت بصحبة نغمة معروفة .. هُنا القاهرة , أمسك بالجريدة التى تركها أخى لتوه و أقرأ . سلطات واسعة لعبد الحكيم عامر فى دمشق . احتمال تفجر الحرب على الجبهة السورية .. و قوات العدو تتحرش بالقوات العربية المتحدة على الجبهة السورية . أترك الجريدة و أهرول الى امى و أقول فى دلال مفتعل .. صباح الخير يا أم سمير .. إيه الحلاوة دى .. بس يا واد بلاش بكش .. عايز ايه أنا عرفاك . أنا هدخل سيما أنا و أصحابى .. و محتاج قرشين كده .. نهارك أسود .. سيما ايه و بتاع ايه .. البلد داخلة على حرب و انت تقولى سيما . يا حجة ما أحنا كده كده هنكسب .. ده أحنا معانا الصاروخ ..على رأيك .. خد جنيه بحاله اهو .. مش خسارة فيك . بس اعمل حسابك ده لأخر الأسبوع . أقبل يدها و أهرول للخارج و أنا غير مصدق .أمام باب دار العرض أقف و أنا ممسك بيد ريهام طالبة الثانوى و أنا غير مصدق .. أين ذهب الفيلم .. الدار تعلق لافته كبيرة مكتوب عليها ( أسبوع الأفلام الوطنية ) كان هنا منذ لحظات فيلم ( غازية من سنباط ) أين ذهب .. ريهام مالك مش على بعضك ..؟ مافيش مش عارفة أخبى لبس المدرسة .. و خايفة حد ياخد باله , يا ستى هاتى اللبس أنا هلبسه بس يلا ندخل السيما .. لأ مش هدخل .. أدخل أعمل ايه ..؟ و فجأه رجل يقف فى الميدان و يصرخ بصوت يصم الأذان . أقرا يا جدع .. عبالناصر قفل خليج العقبة يا جدع .. أقرا الخبر .. قوات الطوارئ بتتسحب من الجبهة .. الحرب هتقوم .. أقرا يا جدع كلام الزعيم .. السوفييت دخلوا الحرب . . . شوف الخبر , و فجأه يتجه له كل من فى المكان و يختفى الرجل وسط كومة من الآبدان تليها مظاهرة يعلو فيها الصراخ .. هنحارب و هنكسب . !! ها يا ريهام هندخل الفيلم وله .. ريهام أنت فين ..؟ و التفت حولى .. و لكن ريهام تبخرت .! مر يوم بلا عمل يذكر سوى الهتافات و كلام المذياع عن كم الحشود فى شبه جزيرة سيناء .. و أخى الأصغر خالد يسأل سؤاله المتكرر .. هى سينا دى فى مصر يا حسين ..؟ أيوة يا خالد فى مصر , فين يعنى .. بعد شبرا كده .؟ لما تكبر هتعرف .. يوووووه كل حاجة لما أكبر .. مش عايز أعرف , حسين قوم يا أبنى ألحق .. الحرب قامت .. بتقولى ايه يا أمى .. حرب ايه اللى قامت .؟ قوم أسمع الراديو و أنت تعرف , أقوم و أهرول الى ردهة المنزل .. و على أقرب كرسى أجلس وسط حشود من الجيران التى جلست لكى تستمع للمذياع القديم المتهالك .. ( أهم الأنباء .. إسقاط 43 طائرة للعدو و دفاعاتنا تتصدى للهجوم على سماء القاهرة بنجاح .. ) تنطلق الزغاريد من كل حد و صوب بل و قامت بعض النسوة بالرقص أمام القريب و الغريب فعلى صوتى ., عايزين نسمع .. و ساد الصمت , ( الجيوش العربية تستمر فى الزحف نحو تل أبيب و مجلس الأمن يطلب من الجميع الوقف الفورى لإطلاق النار ..) الله أكبر ... الله أكبر لم استطع منع تلك الدمعة الهاربة من مقلتى .. بل و رقصت أيضا .. و ساد هرج و مرج .. و سقطت على الأرض الكؤس التى كانت تحملها أمى ..و لم يهتم أحد لقطع الزجاج المتناثرة .. و رقص الجميع .. حقيقة لا أدرى كم مر من الوقت و الجميع يرقص .. حتى علي صوت المذياع مرة أخرى ..( البيان رقم واحد .. يعلن جيش الجمهورية العربية المتحدة عن إرتفاع خسائر العدو إلى 83 طائرة و عدد من المدرعات .. القوات المصرية تتوغل فى غزة و تقصف عدد من المستعمرات اليهودية ) مرة أخرى يعلو الصراخ و التهليل و التكبير .. و فاصل أخر من الرقص المباح . و يكمل المذياع ( أمريكا و بريطانيا تشتركان فى الحرب عبر خط من الإمدادات الجوية و الإتحاد السوفيتى يدين الوضع بالكامل ) يتوقف الجميع عن الرقص .. و يقول سمير .. أمريكا دخلت الحرب , هنخسر .. أخرس يا ولد .. هما معاهم أمريكا و أحنا معانا ربنا .. بس يا عم خليل دى دولة عظمى .. الله أعظم و اكبر . ثم يكمل أحد الحضور .. بس أحنا عندنا الصاروخ .. أنت نسيت وله إيه ..؟ ---------------------------------------------------------------------------و فى مساء نفس اليوم .. نلتف حول المذياع لنسمع الخبر .. يقوله الزعيم . و نحن لا نزال نلهث من التعب بعض فواصل متتالية من الرقص ..( سأتنحى .. و أنزل الى صفوف الجماهير ....) ننظر الى بعضنا البعض .. و يقول عم خليل بصوته المبحوح ..فين الصاروخ ..؟ و يكمل سمير .. فين إحنا ..؟ و أنا أدير عينى فى المكان .. لاأعرف ماذا أقول .. و لكنى توجهت الى شوارع القاهرة .. الساحرة .. و على ضفاف النيل وقفت أبحث عن الصاروخ الغارق فى أعماقه .. و يبدو أن النيل قد تحول الى اللون الأحمر .. لقد كان لونه احمر فعلا يشبه لون الدماء المسكوبة على صحارى البلاد الشاسعة .. تقترب منى فتاة فى العقد الثانى من العمر .. تضع يدها على كتفى و تقول .. أولع بعد إذنك ..؟ أستدير لها و أقول .. بكام .؟ الليلة بجنيه واحد ..! لا كتير .. كفاية قرشين صاغ .. توافق دون إعتراض.. و أخرج أنا القداحة التى أشتعلت حتى قبل أن أطلب منها ذلك ..!!


