الثلاثاء، 4 ديسمبر 2007

وردية الليل

ما أنت لازم تعملى كده عشان تعرفى تعيشى ..!
نظرت لها و أنا غير مستوعبة للكلمة و ما تحمله من معنى , ثم همست فى أذنها بصوت خائف .
أعمل ايه بالظبط ؟
بصى يا حنان .. الموضوع بسيط و مش محتاج ذكاء . دى صاحبة الشغل و ده أبنها تفتكرى هتصدقك لما تقولى ليها أن أبنها قل أدبه معاكى ؟
و ما تصدقش ليه إن شاء الله ؟
عشان هو أبنها . يعنى تسكتى و تكتمى على الموضوع .
يا سلام !! بالسهولة دى .
خلاص قولى ليها و ما تستنيش فى الشغل ثانية واحدة ..ثم أكملت و هى تطوى ذلك الرداء الشفاف و تضعه على الرف لكى يعرض للبيع , حنان أحنا هنا عشان ناكل عيش و بس .. و لما يكون العيش فى بقنا بيخرسنا , يعنى بيلكمك و ما تعرفيش تتكلمى .. إلا لو كنتى بتتكلمى من مكان تانى غير بقك ؟
أنظر لها و أنا شبه مقتنعة بما قالته . و أتجه الى الباب و أفتحه فى هدوء شديد .. و أغلقه بغل واضح !!
أتذكر همساته و هو يتحسس جسدى بوقاحة و يقول .
أنت بتقبضى كام؟ .
ينتفض جسدى فوراً و أبتعد عنه و عينى تدافع عنى بكل أنواع الأسلحة فيكمل
. أنت بتخافى ليه كده .. هو أنا عملت حاجة .
آه عملت طبعا .
ضحكة ساخرة يطلقها و يقول بصوت ظاهر عن ذى قبل .
كلكم بتعملوا كده لما حد يقرب منكم . زى ما يكون الواحد هياكل منكم حته . أنت مش هتخسرى حاجة ..
ثم يميل و يقترب منى و يترك أنفاسه ذات الرائحة القذرة تتحدث بالنيابة عنه و تقول .
أنت هتكسبى مش هتخسرى ,
تصدق هخسر و مش هكسب .
ثم أهرول الى خارج المكان و أنا فى حالة يرثى لها .. كم تدفع لكى تبيع نفسك ..؟
حنان .. حنان .
يقذف بى الصوت الى أرض الواقع فألتفت إلى صاحب الصوت فأجد عاطف عامل النظافة يقول و الكلمات تتلعثم فى لسانه كالمعتاد ..
صــ صــ صـــ ...
صاحبة الشغل يا عاطف ..؟
أيوة تمام ..كــ ..ك.. . كانت عايزة تشوفك .
طيب يا عاطف أنا هدخل أشوفها .
ثم يهم بالدخول و لكنه يلتفت و يقول .
شكلها مـــ .. مـــ .. مــ..
مخنوقة يا عاطف ..؟
لا مضايقة .
طيب خلاص ما تقلقش خير إن شاء الله .. خير !
-----------------------------
تحت أمرك يا مدام جورجيت .
كان مجدى بيقول أنك مش بتاخدى بالك من الشغل و بتسرحى و أنت بتشتغلى و بتكلمى الزباين بقلة ذوق و ..
أبن حضرتك عنده حق يا مدام جورجيت .
يعنى أنت عارفة أنك مش بتشتغلى زى الناس .. و بدل ما تتأسفى بتقولى أيوة ببجاحة و لا هامك .
ثم تقوم من مقعدها الجلدى الوثير لتشير الى وجهى و هى تصرخ .
ده أخر إنذار ليكى و ما تنسيش انك هنا كمالة عدد .. لولا إن أمك لحة عليا و دوشت دماغى ما كنتش شغلتك هنا ولا حتى فى اى مكان تانى
.فهمت يا مدام جورجيت .
اى اوامر تانية . ؟
نضفى المحل و امسحى الإزاز .. آه و ما تنسيش تخلى أمك تيجى البيت بكره عشان تنضفه هو كمان .
بس دى شغلة عاطف مش شغلتى يا مدام جورجيت .!
بس أنا قلت لك أنت مش قولت لعاطف .
حاضر يا مدام جورجيت ,
أفتح باب مكتبها بهدوء ... و أغلقه بهدوء شديد أيضاً . و أتجه الى أدوات النظافة و أنا أشعر أنى مهماً عانيت فى تنظيف المكان سيبقى متسخاً بما فيه الكفاية . أمسك قطعة من القماش المبللة و أتجه الى الزجاج و بحركة آلية ترتفع تارة و تنخفض أخرى أنظفه .. و من خلف الزجاج ارى العالم ضبابياً بعض الشئ يشوبه بقايا الصابون المنسكب على الزجاج .. و من خلال الزجاج رأيت وجهه الطفولى مرة أخرة .. ذلك الشاب الذى يمر كل يوم فى تمام الساعة الثانية و هو ممسك بمجموعة من الكتب و الأوراق الصفراء و يكتفى بالنظر إلى .. و أحياناً يبتسم أو يعبس .!
و لكن هذه المرة فعل شيئاً أخر .. مد أنامله لتلمس الزجاج .. و كان موضع يده هو موضع يدى .. لا أعرف لماذا توقفت يدى عن الحركة و نظرت له فى بلاهة ..و شعرت بقشعريرة دافئة تجتاحنى كما لو أنه لمس قلبى و ليس الزجاج , و بدأت رحلة الغوص فى عينيه الداكنة . شعرت بشئ يذوب بداخلى و يتحول الى سائل حلو المذاق فى فمى , ثم ضربات قوية بداخلى مصدرها القلب , أعرف أنه طفل مراهق و أنى اكبره بعدة اعوام .. و لكنى .. شعرت بالــ ..
أنت بتعمل ايه .؟
ينتفض جسد الفتى النحيف و ينظر الى صاحب الصوت الخشن ليجد مجدى أبن مدام جورجيت يقف خلفه مباشرةً و يكرر نفس السؤال بحدة أكثر .
ينظر له الفتى و يزيح يده عن كتفه , ثم يطلق لقدمه العنان . يضحك مجدى بصوت عال و يقول .
عيال اخر زمن .. و انت يا هانم واقفة متنحة ليه و فرحانة أوى عشان كلب عبرك .. بس عموماً أنا هقول للمدام و هى تعرف تتصرف معاك .
لا أبوس ايدك بلاش .. دى كانت تقطع عيشى .
يقترب منى و يهمس بصوت يشبه الحفيف .
كملى شغل لبليل و أنا مش هقول لها حاجة ,
ثم يضع يده على خصرى و يكمل ..
هنشوف الموضوع ده سوا بالليل .
أبتلع سائل وهمياً فى حلقى .. و لكنى أشعر بمرارة الكون كله فى جوفى , ترتعش يدى و هى تبعد يده عنى . فيلصق هو يده أكثر و يقول ,
ما بلاش عشان نعرف نتناقش بالليل ..
أو.. اوو.. اووستـ....
عايز ايه يا بو نص لسان على الصبح ..
مش مش مش أنا ..
مش ايه بس و جبنة ايه عايز ايه أخلص
. يقول عاطف و قد أحمر وجهه كما لو كان يعتصر نفسه ليخرج الكلمات ..
ماما عايزاك .
و هى أمك عايزانى ليه إن شاء الله يا بوز الأخس ..؟
مش مش مش امى . دى أمك .
خلاص فهمت يا بهيم .. غور أنت دلوقتى .
بالليل يا حنان .. بالليل نتناقش .
ثم يتركنى و يتجه الى مكتب والدته المصون .. و أكمل أنا عملى و أنا لا أعرف .. ماهو شكل النقاش مع حيوان برى مثله . ؟
----------------------------------
إنتهت وردية الصباح و خرج مجدى من مكتب والدته و هو يقول بصوت عال كما لو كان متعمداً أن يسمع الجميع ..
أنا كلمت مدام جورجيت على طلبك يا حنان بتاع وردية بالليل و هى وافقت و بتقول تروحى تتغدى و ترجعى .
سمعت ضحكة أنثوية من احدى العاملات و هى تهمس فى أذن اخرى و يضحكان بصوت مسموع فتقول مدام جورجيت ..
كل واحدة تشوف شغلها .. مش ناقصة مياصة .!!
يتجه عاطف لى و يقول بصوت متصل هذه المرة و دون أن يخطئ فى حرف واحد ..
كنت فاكرك غيرهم يا حنان .. بلاش تيجى بالليل .. و بلاش تيجى هنا تانى .
ثم يرحل و يترك كلماته تتردد بصدى دفين فى عقلى . !
أتجهت الى الباب و فتحته بغل و أغلقته .. بغل أكبر ..!
-------------------------------------------
مالك يا حنان اللقمة واقفة فى بقك ليه يا بت
.أنظر الى أمى و أقول بصوت غير مبالى ..
مافيش حاجة . تعبانة شوية .
طيب ما تدخلى تنامى .
ما أنا أصلى هنزل وردية بالليل كمان شوية .
و يا بنتى أنت فيكى حيل عشان تشتغلى بالليل كمان . ؟
آه نسيت أقولك .. مدام جورجيت بتقولك تروحى ليها البيت بكره .
تتوقف هى ايضا عن الأكل و تقول .. لو عيشنا لبكره إن شــ.. .. يا لهوى مالك يا بت أنت بتعيطى ..
أنتبه الى تلك الدمعة الخائنة التى هربت من مقلتى و أقول لها .
لا أبداُ يا امى .. ده أنا دعكت عينى و كان فى شطة فى ايدى .
شطة ايه يا حبة عينى .. هو أنا مش عارفاكى .. ده انت بنتى ,
مافيش يا ماما .. يقول حسن أخى الأكبر و هو يشعل لفافة تبغ من النوع الرخيص و يرتكز على حافة الشرفة ..
تلاقيها بس مخنوقة من الهم اللى احنا فيه . سيبيها تعيط وله تولع فى نفسها حتى .
بعد عدد محدود من المحاولات الفاشلة لإلتقاط الأنفاس قال والدى الحج عبد الصبور موجهاً كلامه الى حسن و وجهه كله عبوس .
هم ايه إن شاء الله ما أحنا عايشين مستورين و الحمد لله .. بناكل و بنشرب و بنام كمان !
يلتفت حسن من الشرفة و يقول و قد أحتل وجهه كل غضب الدنيا .
اه صح بناكل و بنشرب و بنام .. زى البهايم بالظبط .. و كمان بنعمل حاجات تانية كتير , يا فرحتى كده احنا عايشين كويس و مستورين .. ثم يدفع الشرفة بكلتا يده و يصرخ .. شوف الدنيا بره عايشة إزاى .. و له صحيح أنت راقد من سنين هتعرف منين .. شوف بيركبوا ايه و بيعيشوا إزاى .
أخرس يا كلب .
أخرس ليه بقى .. ما أحنا بردو بنتكلم .. و له نخرس عشان الكلام مش من حقنا .. آه نسيت أننا حيوانات و الحيوانات مش بتتكلم .
عاجبك كده يا ست حنان الحريقة اللى قامت بسببك ..
و أنا مالى يا ماما . أنا مالى .؟
روحى يا حنان شغلك .. و بلغى الست جورجيت انى هكون بكره فى البيت . بس يا رب تكون هى اللى هناك مش البيه الكبير . !!
أتفل بقايا الطعام من فمى .. و قد ترددت الكلمة الأخيرة لامى فى عقلى كتوابع الزلزال .. ثم نظرت لها و رأيت دمعة فى عيونها هى الاخرى متحجرة على اعتاب جفونها ..
ألملم نفسى و أتجه الى حسن و أضع كفى على كتفه فيقول هو ..
روحى شوفى شغلك يا حنان .. ما تنسيش تكلمى الهانم على الموضوع اللى قلتلك عليه .
بس هى مش بتشغل رجالة فى الوقت ده يا حسن .. بس عموما هكلمها .
يكتفى بهز رأسه ..
أطبع قبلة على جبين ابى و أنا أهمس له فى اذنه ..
بلاش سجاير عشان الربو يا بابا , يدير وجهه و يقول .
خلى الربو يموتنى .. هترتاحوا منى و من قرفى .!!
على الرغم من سماعى لتلك الجملة اكثر من مرة منه ... لم أردد عبارة ( بعد الشر عليك ) هذه المرة , كما لو كنت أقول لنفسى ..
صدق .
------------------------------------
حمد لله على السلامة يا حنان ,
يطلق مجدى هذه العبارة و هو ينظر الى ساقى النحيفة و يكمل .
أتأخرتى نص ساعة بس ما تقلقيش المدام جورجيت مش هنا ..
ينفتح باب مكتب والدته و تخرج أميرة و هى تعدل من هيئتها و تنظر الى الأرض كما لو كانت تبحث عن شئ مفقود فيقول مجدى ..
على فكرة يا أميرة .. ممكن تروحى انت تعبتى اوى النهارده .
تكتفى بهز رأسها و تخرج من المكان كما الخرساء .. ينادى مجدى على عاطف و يقول له .
بص يا عاطف عارف كشك السجاير اللى فى اول شارع شبرا ..
عارفه و مش هروح اجيبلك حاجة ..
نعم يا بو نص لسان .. أنت طلع لك لسان انت كمان .
يكمل عاطف دون انقطاع كعادته ..
كله إلا حنان .. الإتسانة النضيفة عايزين توسخوها ليه ؟
و انت مال أمك .. ثم يرفع يده لينهال بها على عاطف و لكن عاطف كان أسرع بكثير مما أظن حين طرحه أرضاً و أخذ يصرخ كالمجنون ..
أطلعى بره يا حنان .. أمشى من هنا . ثم أمسك برأس مجدى و ضرب بها الأرض أكثر من مرة .. و فى كل مرة كان الدم ينساب منها كالشلال .. هرولت الى الخارج و أنا أبحث عن شئ ينهى حياتى , اى شئ .. و كعادتى كانت دموعى تنساب دون أن أدرى .. أغمضت عينى و بخطى واثقة من المصير المحقق لعبورى الطريق بهذا الشكل تخطيت اولى السيارات و قبل أن تصتدم بى الاخرى كانت هناك يد تجذبنى بقوة و تلقى بى بين أحضانها .. فتحت عينى لأجد ذلك الفتى صاحب الوجه الطفولى .. و قبل أن أقول كلمة واحدة كان يجذبنى من يدى .. و يعبر بى الطريق فى ثقة .!!