كانت السماء زرقاء مثلما كانت كل يوم لم تتغير فى شئ سوى بعض الغيوم القاتمة التى تظهر فى الافق معلنة قرب نزول المطر .
كنت انتظر القطار الذى سيأخذنى لمن.. لبلد بعيد..كنت اشعر بالبرد فى ذلك الصباح الباكر و لكن كلما احسست بالبرد اكثر ضممتها الى صدرى .. انا اقصدالصورة بالطبع..
كانت صورة مبهمة الملامح .. فأنا لا اجيد الرسم ومع ذلك كانت ملائكية الجمال.. أسكنت البحر عيونها وأجريت الانهار على خديها .. وتركت حبات الرمان تلون شفتيها.. وجعلت الليل يمحو النجوم من سمائه لكى يكون هو خصلات شعرها .. هذه حبيبتى كما اراها .واتمناها .
اسمع صوت القطار يقترب وأرى فى الافق دخانه الاسود كريه الرائحة .. كان يقترب فى بطأ وملل أو أنى أظنه كذلك .. كنت اتمنى أن يكون اسرع من ذلك لكى استطيع ان أصل الى حبيبتى فى أسرع وقت .
مضى القطار .. وجلست الى جوار النافذة .. انظر الى السماء وارسم بين الغيوم صورتها مرةاخرى وأقارنها بتلك الصورة الورقية . دائما ما تكون الصورة اجمل من التى بين الغيوم والسماء وفوق امواج البحر . ولكن بالطبع هى اجمل .
صوت صفير ناظر المحطة يعلن انى قد وصلت الى محطتى المنشودة .. فى تثاقل ودون ان احدد الى اين سأذهب نزلت من القطار وانا اعلم انها تنتظرنى داخل المحطة ..
كان صوت دقات قلبى يعلو ويعلو حتى تلون وجهى باللون الاحمر من الخجل و انا اظن ان كل الناس تسمع دقات قلبى المتزايدة .
كنت اعرف اوصافها كما وصفتها هى لى .. او كما رسمتها أنا .
خطوت الى داخل المحطة وانا اعرف انها ستكون هناك . هل ستعرف شكلى أو أوصافى؟
ولكنها على الاقل تحبنى كما تقول ولو انها كذلك ستعرفنى بالتأكيد .
وقفت فى وسط صالة الاستقبال وانا ادير عينى فى كل من حولى .. وعرفتها .
كانت اجمل من الصورة .. كانت اجمل بكثير .
كنت اريد ان اذهب اليها واحتضنها بين ذراعى .. ولكنى تسمرت فى مكانى دون حراك . أنتظرت الى ان تعرفنى هى . او على الاقل تنظر الى .. كانت كما لو انها تبحث عن شخص اخر , او انها ليست هى اصلا .
ألتقينا غرباء ونحن قلوبنا تنبض بحب من نوع جديد . كل منا احب الاخر و هو يرسم له صورة مبهمة فى خياله ,, وفى النهاية ألتقينا غرباء ولكن يبدو انها رسمت صورة اخرى فى خيالها غير التى انا عليها .
كانت تبحث بين القادمين من القطار عن شاب وسيم طويل القامة عريض المنكبين ..وهذا كان واضحا من لهفتها على كل من يتصف بتلك الصفات .. كانت تهرول بنظراتها فى اتجاهه ولم تمنحنى حتى نظرت واحده لكى تقول لها عيونى من انا ..
ضممتها الى صدرى واتجهت الى القطار .. انا اقصد الصورة بالطبع ,
ولكن بمجرد خروجى من المحطة انهمر المطر بشدة .. ونزلت دموعى بشدة ايضا ..لم أشعر انى أبكى .. نزلت الدموع على وجهى كنهر متفجر من بين الجبال , امتزجت دموعى وحبات المطر .. امتزجت دموعى و ذابت معها .. هل ستفرق بين دموعى وحبات المطر اذا راتنى؟؟
انهمر المطر بشدة اكثر من ذى قبل .. دون ان اشعر خلعت معطفى ورقصت كالطيرالمذبوح تحت المطر .. اضحك وابكى .. ارقص وانتحب .
سمعت صوت القطار يمضى ..هل سيفوتنى القطار ايضا..؟
امسكت معطفى وهرولت بأتجاه القطار .. امسكت بمقبض باب اخر عربة وبمجرد ان وضعت قدمى فى القطار اكتشفت انى قد اضعتها .. اقصد الصورة بالطبع .
كالمجنون قفزت من القطار واخذت اجرى تحت المطر وانا انادى عليها .. انااقصد الصورة بالطبع .
ووصلت الى حيث كنت ارقص .. تحت المطر .. وكانت هى هناك وقد سقطت فى بركة من الوحل , انا اقصد الصورة بالطبع ..انحنيت وألتقيتها وانا ابكى على حالها فلقد امتزجت الالوان بها واصبحت بقايا صورة مهلهلة الاطراف ممحية الالوان .. ضممتها الى صدرى وانا اصرخ .. حبيبتى . وجائنى الرد .
حبيبى .
هل نطقت الصورة ..
وضعتها امامى ونظرت الى ما تبقى منها ولكن كانت تقريبا تحتضر ..
هل تأخرت .؟
نظرت امامى لأجدها فى مواجهتى .. كانت هى .. مدت يدها تمسح حبات المطر التى على جفونى .. كنت اريد ان اقول لها هل تستطعين ان تفرقى بينها وبين دموعى ..؟
هل كنت تبكى .. ؟
كيف عرفتى هذا .؟
دموعك دافئة .
ضممتها الى صدرى وقلت لها .. ذلك لانك بعيدة عنى .
نظرت الى وقالت . لقد فاتك القطار .
فقلت لها . ولكنك بين يدى الان .
فقالت ولكنى اذوب من المطر .
لن تذوبي وانت بين احضانى ..اقصد الصورةبالطبع
وطويتها و وضعتها فى جيبى وانتظرت القطار عسى ان يأتى ولكنى اعرف ان القطار لا يأتى مرتين فى العمر .. ولكن المطر توقف وهذا ما شجعني على ان انتظر ..



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق