
وقف أمام المرآة يتحسس ذلك الجرح الغائر فى جبهته . كم كانت انامل زوجته تتحسسه برفق كل صباح لكى تشعره انه سبب وسامته و ليس سبب قبحه . تذكرها بملامحها الخمرية و صوتها الناعم و عيونها الناعسة .. و تذكر طفله يوسف و طفلته رحمة .. تذكرهم جميعا دفعة واحدة .توجه على الفور الى غرفة نومه .. نظر الى الفراش فى حسرة .. هنا كان يرقد جسده الى جوار جسد زوجته .. تحتضنه برفق فينسى الكون كله .. كل لمسة من أناملها كانت تعنى له الكثير ..حتى نظرتها له فى غبار الليل الوردى كانت تجبر قلبه على النبض بصوت عال .. بضع خطوات .. و كان يقف على أعتاب غرفة يوسف و رحمة .. نظر الى تلك الألعاب المترامية فى اركان الغرفة .. ينظر لها بتمعن .. يطول النظر .. ينحنى و يلعب بلعبهم مثلما كانوا يفعلون .. يبكى بدموع حارقة . لقد أرتكب خطأ عندما طلق زوجته فى لحظة غضب .. لقد طلق الحياة كلها فى تلك اللحظة أيضا .. يندفع الى الخارج و هو يعرف طريقه جيدا ... يسير بالسيارة على أرصفة الطريق .. يراها .. مخملية اللون .. ملابسها لا تدل على ما يدور فى رأسه .. و لكن جسدها له نفس منحنيات جسد زوجته و ملامحها لا تختلف كثيرا عن ملامح زوجته .. ينزل من السيارة و يعرض عليها مبلغاً لا بأس به من المال .. تنظر له و تصمت .. يضاعف المبلغ مرات و مرات .. و هى صامته .. فى النهاية أكتشف انها صماء .. لا تسمع لا تتكلم .. يحاول ان يصل بالمعنى لها .. تتفهمه فى سرعة غريبة .تمسك بالمال و تدسه فى تلابيبها .. و تهرول لتجلس الى جواره .و فى المنزل .. و على فراش غرفة النوم .. بدأ هو الحديث معها .. و بدأه بالنظرات .. ثم امتدت اليد و أطراف الأصابع لتترجم العبرات .. يشعر كما لو كان يمرر يده على قطعة باردة من الرخام .. لا يشعر بما كان يجتاح جسده من رعشات متتالية من مجرد نظرة من زوجته.! يسأل نفسه .. لماذا .. تنظر له العاهرة فى إنتظار ان يكمل هو حديثه الصامت .. يجذبها بقسوة و يلقى بها على الأرض .. و يتحول الى حيوان لا يمت للجنس البشرى بأى صلة .تصرخ الفتاة الراقدة على الأرض فى ألم .. ربما هو ما جعله ينتفض و هو غير مصدق لما يحدث .. يتذكر على الفور الفارق بينه و بين اى انسان أخر .يبكى بحرقة .. تقول له الفتاة الصماء .. عد لها ... يبدو انك تعشقها .. ينظر لها لغرابة ما قالت و هى خرساء ..تجيب هى . قد تحتم الظروف احيانا ان نكون هكذا .صم بكم لا نرى سوى المال .. ثم تكمل .. هل تعرف انى لا اشعر مع أحدكم سوى بالأشمئزاز .. يقول هو .. و أنا أيضا .. تقول له .. عد لها .. و خذ مالك فهو مال حرام .. ينظر لها و يبتسم .. كيف يكون حرام لأنى لم استمتع بجسدها .. كل شئ فيها حرام ..! تخرج من الغرفة و منها الى الردهة و منها الى الخارج .. ذهاب بلا عودة .. يتذكر صورة زوجته .هل تتذكره هى ايضا ... ؟ لا أظن ..؟ يرن جرس الهاتف .. يجذبه فى تكاسل .. يسمع صوت المتصل يقول .. هل لى ان اعود ..؟ يصرخ فى لهفة .. انا اتمنى هذا ..! ينقطع الخط مرة اخرى .. يتوجه الى شرفة المنزل .. يرى زوجة جاره تجلس فى الشرفة المقابلة له .. و بعد سيل من المجاملات المعتادة كان سؤاله .. اين زوجك.. .؟لقد انفصلنا منذ اكثر من شهر .يلملم كلماته و يدخل الى منزله و هو غير مصدق لما يحدث من حوله .. الكل يذهب من طريق أخر .. و هى ستعود ..هل ستعود حقاً .؟ ستعود لنفترق من جديد .الكل يذهب من طريق .. ينظر الى جدران منزله الضيقة .. يتذكر ما حدث من قليل هنا .. و يتذكر أيضا ما حدث من عام كامل هنا .. يقارن هذا بذاك .. يصرخ من الألم .. انا أتمنى أن تعود .. و أتمنى أن أرحل أنا قبل أن تعود هى .. يدور فى ارجاء المنزل .. برودة تحتل أطرافه . يقرر الهرب من .. من كل شئ .. يستجمع شجاعته .. و يصعد على حافة الشرفة .. يصرخ بطريقة حزينة أقرب الى العويل .. ويدرك ان النهاية واحدة فى كل مرة ..


