ربما إذ سألت أحدهم عن الموت ستجد الإجابة مرسومة على تقاسيم وجهه المحتقنة و إذا كان سؤالك بالتحديد عن رأيه في الموت فستجد الإجابة جاهزة ..
" اللهم أحفظنا ..! " كما لو كان يعتقد أنه خالد أو في مأمن من ملك الموت .. و لكن الموت بالنسبة لي معنى أخر .. فهو حلم قلما اقترب هرب .. و هو نهاية الأحزان .!
عبير يسرى عبد السلام .. هو أسمى بالكامل .. " كنت " فتاة ممشوقة القوام بارعة الجمال تحمل في جسدها مثال حي للأنثى و ما تحمله الكلمة من معاني , فشهادة عيون الرجال تشهد على كلامي و لعابهم السائل خلف خطوات قدمي هو البرهان القاطع ..
" كنت " حينها في الثانية عشر من عمري , فتاة شاء القدر أن يحول حياتها إلى جرح مفتوح متقيح
" الجمال .. و الصدق .. و الطهارة و العفاف .. و أيضا الحب اللاشهواني كلها صفات ملائكية إن اجتمعت في بشر فحتما سيرفع إلى السماء ولن يظل على ظهر البسيطة ليوم واحد .. ! و لكني انتظرت كثيراً يوم صعودي للسماء و لكنه لم يحن بعد , اكتشفت أيضا أن من يصعدون إلى السماء يدفنون في الأرض أولاً حتى يتسن لهم الصعود ! و لهذا السبب بالتحديد أنا في انتظار الموت الجميل .
" كان " لي أب طاهر عطوف لأقصي درجة .. تشعر بين أحضانه بدفء حاني لا تجده في إي مكان أخر و كانت له أنامل تعزف على كتفي لحناً يشعرني أن السماء قادرة على احتضان الأرض و أن الماء يخرج في الأساس من جوف النيران المتوهجة !
كل هذا كانت تصنعه أنامل يده المرتعشة .. و نظارته بنية اللون فضية الإطار كانت تعظم من نظرته لي فتظهر مقلتيه من خلف زجاجها أكبر بكثير من حجمها الطبيعي مما يمنحني فرصة للبحث عن مصدر اللمعان الدافئ فيهما .
و لكن كل هذا كان ماضيا و لا يفيد تذكره شيئا .. سأقتضب بعض الشيء في حكايتي تلك حتى لا يشعر أحدكم بالملل ..
ماتت الأم .. التي كان دورها في حياتي ومنذ أن كنت طفلة قاصراً على التوجع و الأنين من المرض العضال اللعين .. و بدلا من أن تمنحني عطفا و حنانا مشابها لأبى كنت أقوم أنا بهذا الدور و هي في سريرها منذ عقد كامل تقريباً ...!
و لا أخفى عليكم دهشتي من تصرفات أبى معها .. فقد كنت أشاهدها و هو يبكى بدلاً منها و يتوجع بلا شكوى بل و يمرض إذا لزم الأمر .. هل كان هذا حباً .. أم كان مجرد وفاء لها !
يقولون أن لي أخت توأم تاهت و هي في الثالثة من عمري و عمرها الواحد .. و لكني لم أكترث لهذا الموضوع كثيراً .. و بعد وفاة أمي بعام كامل تزوج أبى مرة أخرى كاسراً أول صورة له في مخيلتي عن الوفاء و الحب الأسطوري .. و لقد تزوج بالطبع من ساقطة تصغره بعشرين سنة كاملة و تكبرني ببضع سنوات .. و حكايتي لا تختلف كثيراً عن حكايات معروفة و محفوظة فقد تسببت زوجة الأب في تغير معاملته لي و نبتت لأنامله أشواك و تكسرت نظارته فظهرت بشاعة نظراته و قسوتها و تحول صدره صاحب البطن المنفوخ إلى كابوس مزمن !
و في النهاية وجدت نفسي هنا .. في الشارع !
كانت أول يوم لي في الشارع بعد أن رأيتها ترقص عارية أمام شاب مستلقي على سرير أبى و ممسك في يده ببرتقالة يقلبها بين يديه دون أن ينزل عينيه عنها .. و حينما رأتني جذبتني من شعري و انهالت على بالضرب دون أن تقول كلمة واحدة أو حتى تسمح لي بحرف واحد .. و بعد وصلة الضرب تلك نظرت للشاب و قالت له بالحرف الواحد ..
- هشام .. أكسر عين البنت دي .
فترك هشام البرتقالة من يده و نهض من على السرير و أنقض على جسدي مزقه بمخالب ناعمة و لكنها قادرة على الوصول لعظامي تتحسسها ببرود و تبلد .. لم تفلح صرخاتي و دموعي في نيل الرحمة و السماح .. و قبل أن يكسر عيني بلحظة واحدة ارتفعت الطرقات على باب المنزل معلنة وصول أبى و مخلصي فلملمت هي ملابسها و نظرت لهشام نظرت لم تطول قبل أن تصرخ بصوت عال ..
- ألحقوووني يا ناااااااااااااااس .. ألحقووووني يا ناس يا فضيحتك يا يسرى .
ارتسمت الدهشة على وجه الذئب الممسك بجسدي قبل أن يفطن لما ترمي إليه هي فدفعني و أمسك بما وصلت إليه يديه من ملابس و قفز من الشرفة و لكن كان ذلك بعد أن دفعت كلماتها أبى لكسر الباب ليشاهده و هو يقفز من النافذة و يراني شبه عارية أغطى نفسي جسدي بيد أحسست لوهلة أنها مبتورة !
لا لم تفلح دموعي ولا توسلاتي و لا حتى الدم النازف من روحي من استعطاف أبى فأسرع يستل سكينا



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق